الراغب الأصفهاني

161

الذريعة إلى مكارم الشريعة

في بيان عادة اللّه تعالى في تهذيب الذين تردّوا في الرذائل حتى فسدت أخلاقهم « 1 » الناس متى تركوا تعاطي الإحسان والأفضال وتحري العدالة فيما بينهم ، فلا يأتونها لا خلقا ولا تخلقا ، ولا رياء ولا سمعة ، ولا رغبة ولا رهبة ، فصاروا في تعاطي الشر سواسية كأسنان الحمار « 2 » ، عدمت فيهم الفضيلة كما قال النبي عليه السّلام : « لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا » « 3 » . فحينئذ إن بقي في نفوسهم أثر قبول الخير أنشأ « 4 » اللّه فيهم من يهديهم باللسان والسيف المحق كبعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في العرب لما بقي فيهم من أثر الخير من تعظيم الشهر الحرام ، والبيت الحرام ، والوفاء بالذمام ، وإن قلّ فيهم أثر قبول الخير سلط اللّه عليهم سيفا جائرا كما قال تعالى : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 5 » ، وكما قال عليه السّلام : « إن اللّه ينتصف من أوليائه بأوليائه ومن أعدائه بأعدائه » « 6 » ، وعاملهم بما عامل به بني إسرائيل حيث سلط عليهم بختنصر ، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي

--> ( 1 ) في ط فقط « عبادة اللّه » وهي خطأ ننبه عليه لتكرره في كل الطبعات وفي ط ، د « ترددوا في الرذائل » ولعل تردّوا أنسب لحرف الجر « في » . ( 2 ) في ط فقط زيادة « سواء بسواء ثنيات كأسنان الحمار » . ( 3 ) ليس بحديث ولكنه قول عربي . يعني ضرورة الاختلاف في الصناعات لتعمر الحياة . انظر ابن عبد ربه / العقد الفريد / 2 / 88 طبعة بولاق 1293 ه . ( 4 ) في ط فقط « إن شاء اللّه فيهم » والصواب ما ذكرنا لدقة المعنى فيه . ( 5 ) الأنعام / 129 . ( 6 ) المشهور « أن اللّه ينتقم من الظالم بالظالم » وهو ليس له أصل كما ذكر صاحب كشف الخفاء ، وأما لفظ ما هنا فلم أجد له أصلا / كشف الخفاء / 1 / 239 .